ولدتُ في شارع (الجرس) بحي الموصل، وهو حي عريق من أحياء مدينة الموصل وهي مدينة شهيرة في العراق، مكدسة بالسكان فعدد سكانها يقل قليلا عن عدد سكان بغداد الجميلة.كان كل سكان حي الموصل يتميزون بلهجة مختلفة مميزة عن كل الأحياء الأخرى حيث كانت العراق في هذا التوقيت بها عدد لا حصر له من اللهجات التي اعتبرها السكان الأصليين للعراق دخيلة عليهم، وكان قرب الموصل من نهر دجلة عاملا أضفى عليه طابعا خاصا من الغموض الجميل.
أيام لا تنسى
لكن رغم الفقر الذي كنت أعيش فيه أنا وعائلتي والبيت الهزيل الذي كنت أسكنه إلا أن الشارع كان به دفئ وحنان قد تفتقده الفيلل والقصور الفخمة التي كانت موجودة بالعراق أيام زهوها وثقافتها وحضارتها العريقة.
عزيز النفس
هذه هي طبيعتي وحياتي التي نشأت عليها في هذا الشارع، فلا أجد على الإطلاق تناقضا ما بين عزة النفس والكبرياء وبين الفقر، بل بالعكس قد نجد الكثير من الأغنياء رغم ما جمعوا من مادة يظلون مثل العبيد لأي قرش لكنه هو الطمع.. يرحمنا الله منه.
يا ساكنة حينا
أما أهم ذكرى لي فهي "بائعة الورد"، تلك المرأة التي علم على ملامحها الزمن بخطوط عريضة وصبغ شعرها باللون الأبيض، حيث كانت تجلس في أحد أركان الشارع أمامها سلة من مختلف أنواع الورود والياسمين والرياحين وكل أنواع الزهور لبيعها، كانت رائحتها العتيقة تغطى على رائحة الورود التي كانت تقتطفها من إحدى الحدائق التي كان زوجها يعمل بها (جنايني).
ذات يوم.. لاحظت أن هذه السيدة تجلس وهى تبكي، اقتربت منها وسألتها عما يبكيها، فأجابتني أنها لم تبع شيئا من الورود وأولادها في انتظار العشاء..، جففت دموعها وقبلت جبينها ورأسها، وقلت لها أعطيني هذه السلة سوف أبيع كل ما بها لأعطيكي نقودا، وبالفعل أمسكت سلة الورود وذهبت إلى مكان قريب من نهر دجله يتجمع فيه الأحبة وقمت ببيع كل ما في السلة من ورود، وذهبت فرحا إليها وأعطيتها المال مضاعفا، حيث أكملته ببعض القروش من جيبي، فما كان من السيدة بعد أن أعطيتها السلة فارغة إلا أن دعت لي وهي ترفع يدها إلى السماء: "ربنا يحبب فيك خلقه.. وتكون واحد مشهور وأفراح فيك".
الموقف لا أنساه أبدا.. فقد تحققت نبوءة سيدة الشارع البسيطة والحمد لله، لكنها لم تنتظر حتى تفرح بي مشهورا فقد ماتت.. رحمها الله.
الآن وبرغم شهرتي إلا إنني أتمنى العودة إلى شارعي.. إلى ذكرياتي الحلوة والأليمة.. فكلي شوق وحنين إلى أهله وأشخاصه خاصة بائع الحليب وبائع السوبيا والعرقسوس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تجربة ذاتية للمطرب العراقي (كاظم الساهر).








بس أغانيه رووووووعة .. وكلها احساس
خاصة … حبيبتي والمطر .. في يوم بارد كما هو الان